الشيخ السبحاني
182
بحوث في الملل والنحل
فإن قالوا : لو أراد من العبد شيئاً ولم يفعل لكان العبد قد غلبه ، فهذا ينقلب في الأمر ، لأنّه قد خولف ولم يكن مغلوباً ، وكذلك الإرادة . ألا ترى إلى من قال وأراد من مملوك شيئاً ولم يفعله ، وأمر آخر بفعل فخالف لكان المخالف في الأمر أعظم في النفوس عصيانا ، كلّا . . . بل هو الغالب ، وإنّما أمهل العصاة حلماً ولم يجبرهم على الإيمان ، لأنّ المكره لا يستحقّ ثواباً ، بل أزاح عللهم ، وأقدرهم وأمكنهم ، فمن أحسن فإلى ثوابه ، ومن أساء فإلى عقابه ، ولو شاء لأكرههم على الإيمان أجمعين ، كما قال تعالى : « وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ » « 1 » ، وكقوله تعالى : « وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها - إلى قوله - أَجْمَعِينَ » « 2 » ، وقال تعالى : « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ » « 3 » . وزعمت القدريّة : أنّ اللَّه تعالى خالق الكفر وفاعله ، ومنشئ الزنا ومخترعه ومتولّي القيادة وموجدها ، ومبتدع السرقة ومحدثها ، وكلّ قبائح العباد من صنعته ، وكلّ تفاوت فمن عنده ، وكلّ فساد فمن تقديره ، وكلّ خطأ فمن تدبيره . فإن قالوا على سبب التلبيس : إنّ العبد يكتسب ذلك ، فإذا طولبوا بمعنى الكسب لم يأتوا بشيء معقول ، وقالت العدليّة : معاذ الله أن يكون فعله إلّا حكمة وحقّاً ، وصواباً وعدلًا ، فالزنا فعل الزاني انفرد بفعله ، فكلّ قبيح
--> ( 1 ) . يونس : 99 . ( 2 ) . السجدة : 13 . ( 3 ) . البقرة : 256 .